ابن ميثم البحراني

298

شرح نهج البلاغة

الوهاد ومخصب النجاد إشارة إلى إيجاده لسائر ما ينتفع به الخلق في الدنيا . إذا عرفت ذلك فقد اشتملت هذه الألفاظ على إيجاده لجميع الموجودات الممكنة . وقد ثبت أنّ خالق جميع الموجودات الممكنة لا يكون ممكنا فاستلزم ذلك كونه تعالى واجب الوجود . الثاني من الاعتبارات السلبيّة : كونه تعالى لا ابتداء لأوليّته : أي لا حدّ لكونه أوّلا للأشياء تقف عنده أوّليّته وتنتهي به وإلَّا لكان محدثا فكان ممكنا فلم يكن واجب الوجود . هذا خلف . الثالث : ولا انقضاء لأزليّته : أي لا غاية ينتهي عندها وينقضي وإلَّا لقابل العدم فلم يكن واجب الوجود . هذا خلف . وقوله : هو الأوّل لم يزل والباقي بلا أجل . تأكيد للاعتبارين الثاني والثالث بعبارة الاثبات . الرابع : خرّت له الجباه ووحدّته الشفاه . وهو إشارة إلى كمال الوهيّته واستحقاقه للعبادة . الخامس : أنّه لا يشبهه شيء . إذ كلّ شيء ما عداه محدود يقدّره العقل والوهم ويشار إليه بحدود يحيطان به منها ، ولا شيء منه تعالى كذلك . إذ كلّ وهم قفره بحدّ أو بحركة أو جارحة أو أداة كما هو مقتضى الوهم في إدراكه لمدركاته فقد ضلّ ضلالا بعيداً عن تصوّره . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . السادس : أنّه منزّه عن لحوق الزمان فلا يسأل عنه بمتى ، وعن غاية الزمان فلا يضرب له أمد بحتّى . السابع : كونه ظاهراً ومع غاية ظهوره لا مادّة له ولا أصل يستفاد منه فلا يقال ممّا هو موجود . الثامن : كونه باطنا ومع غاية بطونه وخفائه لا حيّز له فيقال فيه بطن وخفى كسائر الخفيّات من الأجسام والجسمانيّات . وقد سبق بيان كونه تعالى باطنا وظاهرا غير مرّة .